درس العزيمة والرخصة
تحميل الدرس
تحميل PDFصيغة PDF للقراءةمعلومات الدرس
محتوى الدرس
تمهيد
لقد تعلمنا أن الأحكام الشرعية ترتبط بالسبب والشرط والمانع، هذه الأحكام الثابتة هي الأصل الذي يُسمى العزيمة؛ لكن رحمة الله اقتضت التخفيف عند وجود مشقة، فتنقلب العزيمة إلى رخصة استثنائية. وسنتعرف اليوم على أمثلة هذه الرخص في القرآن والسنة، وكيف أن الشارع يتوخى بها رفع الحرج عن المكلفين.
أولاً: المعاني والأحكام
النص الأول: قال تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
المستفاد: الرخصة: إباحة المحظور كأكل الميتة مثلاً عند الاضطرار الشديد المخمصة، مع عدم الميل إلى الإثم، وهو تطبيق لمبدأ رفع الحرج.
النص الثاني: قال تعالى: فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
المستفاد: الرخصة: إباحة الفطر في رمضان للمريض والمسافر، مع وجوب القضاء لاحقاً. العزيمة: هو الأصل صيام رمضان على المقيم الصحيح.
النص الثالث: قال تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ
المستفاد: الرخصة: إباحة قصر الصلاة الرباعية جعلها ركعتين عند السفر، تخفيفاً ورفعاً للحرج.
النص الرابع: قال تعالى: وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا
المستفاد: الرخصة: إباحة التيمم كبديل للطهارة المائية الوضوء أو الغسل عند فقدان الماء أو العجز عن استعماله بسبب مرض أو سفر. العزيمة: هو الأصل وجوب الطهارة بالماء.
النص الخامس: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هِىَ رُخْصَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَن يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ
المستفاد: الرخصة: إباحة الفطر في السفر كرخصة من الله. هذا الحديث يثبت التخيير بين الأخذ بالرخصة الفطر أو الأخذ بالعزيمة الصيام لمن لا يشق عليه الصوم.
النص السادس: قال تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّ بِٱلْإِيمَٰنِ
المستفاد: الرخصة: إباحة النطق بكلمة الكفر في حال الإكراه والتهديد بالهلاك، شرط أن يبقى القلب ثابتاً على الإيمان.
النص السابع: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل مال لم يُقسَّم.
المستفاد: مثال على الرخصة في المعاملات دفعاً للضرر المتوقع على الشريك القديم من دخول شريك أجنبي جديد قد يسيء العشرة أو المعاملة، خاصة في الأملاك التي يصعب تقسيمها.
ثانياً: تعريف الرخصة وأمثلتها وشروطها
أ. التعريف
لغة: التسهيل والتيسير. اصطلاحاً: الحكم الشرعي المتغير من صعوبة إلى سهولة بسبب عذر، مع بقاء سبب الحكم الأصلي.
ب. أمثلة تطبيقية
- أكل الميتة: الأصل حرام، رُخص فيه للمضطر خوفاً من الهلاك.
- الفطر في رمضان: الأصل حرام، رُخص فيه للمريض والمسافر عذر المرض والسفر.
- جمع الصلاتين: الأصل غير جائز، رُخص فيه للسفر أو المطر للتيسير.
ج. شروط اعتبار الرخصة
يجب توفر أربعة شروط لاعتبار الرخصة الشرعية:
- أن يتغير الحكم عما شُرع عليه أولاً من تحريم إلى إباحة مثلاً.
- أن يتغير من صعوبة إلى سهولة.
- أن يتغير لعُذر مثل المرض، السفر، الضرورة.
- أن يكون التغير مع بقاء سبب الحكم الأصلي كوجود رمضان مع الإفطار.
ثالثاً: تعريف العزيمة وأنواعها
أ. التعريف
لغة: القصد المؤكد. اصطلاحاً: ما شرعه الله أصالةً من الأحكام العامة التي لا تختص بحال أو مكلف دون آخر. وهي ضد الرخصة.
ب. أنواع أحكام العزيمة
العزيمة تشمل الأحكام التكليفية الخمسة، لكنها لا تطلق إلا إذا كان لها رخصة مقابلة عند المحققين.
واجبة: مثل الصلوات الخمس. محرمة: مثل قتل النفس. مباحة: مثل البيع والنكاح. مندوبة: مثل صلاة العيد. مكروهة: مثل التنفل بعد صلاة الصبح.
رابعاً: حكم الرخصة وأنواعها
أ. حكم الرخصة
واجبة: رخصة أكل الميتة للمضطر، ورخصة التيمم للمريض الذي يخشى الهلاك. مندوبة: قصر الصلاة الرباعية للمسافر، والجمع بين الظهر والعصر بعرفة للحاج. مباحة: رخصة المساقاة، ورخصة الشفعة، ورخصة القراض، عقود رُخص بها للحاجة. خلاف الأولى: الإفطار في رمضان للمسافر الذي لا يشق عليه الصيام، فالصوم أفضل له.
ب. أنواع الرخص
- إباحة المحظورات عند الضرورات والحاجات: مثل التلفظ بكلمة الكفر للمكره، وأكل الميتة للمضطر.
- إباحة ترك الواجبات: مثل ترك القيام في الصلاة للعاجز، وقصر الصلاة في السفر.
- رخصة تصحيح بعض العقود المستثناة: مثل عقد الشفعة، وعقد السلم بيع المعدوم بشروط.
خامساً: أسباب الرخص الشرعية
جميع الرخص ترجع إلى سبعة أسباب رئيسية:
- المرض: كالفطر في رمضان، والصلاة من قعود.
- السفر: كقصر الصلاة، والفطر في رمضان.
- النسيان: يُسقط الإثم والمؤاخذة الأخروية.
- الجهل: يُسقط المؤاخذة إن لم يقع بتقصير.
- الإكراه: يُبيح الوقوع في المحظور لدفع الأذى.
- عموم البلوى: الأمر الذي يصعب الانفكاك عنه، كيسير النجاسة الذي يصعب الاحتراز عنه.
سادساً: الأفضلية: الرخصة أم العزيمة؟
الراجح والله أعلم: لا تفضيل مطلق بينهما؛ لأن الأفضلية نسبية وتختلف من شخص لآخر حسب العذر ودرجة الحاجة والضرورة التي يواجهها المكلف.