درس الخاص ودلالته
تحميل الدرس
تحميل PDFصيغة PDF للقراءةمعلومات الدرس
محتوى الدرس
أولاً: تعريف الأمر والنهيالأمر لغةً: هو الشأن أو الطلب.
الأمر اصطلاحاً: استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء.
ومن شعر العرب قول الشاعر: "أمرتُك أمراً جازماً فعصيتني... فأصبحتَ مسلوبَ الإمارةِ نادما".
النهي لغةً: الزجر والكف.
النهي اصطلاحاً: استدعاء الترك بالقول على وجه الاستعلاء.
ثانياً: دلالتهما، أي ماذا يفيدان؟يقرر الشنقيطي في المذكرة القواعد الأساسية التي يُبنى عليها فهم الخطاب الشرعي:
الأمر: الأصل فيه أنه يقتضي الوجوب، ولا يُصرف عن الوجوب إلى الندب، أي الاستحباب، أو الإباحة، إلا بقرينة.
النهي: الأصل فيه أنه يقتضي التحريم، ولا يُصرف إلى الكراهة إلا بقرينة.
ثالثاً: هل الأمر يقتضي الفورية؟هذه المسألة فيها خلاف أصولي مشهور:
أن الأمر المطلق، وهو الذي لم يُقيّد بزمن، لا يقتضي الفورية ولا التراخي بلفظه، بل يقتضي إيجاد الفعل فقط.
ومع ذلك، فإن المبادرة بالفعل هي الأحوط والأبرأ للذمة، خشية العوارض كالموت أو العجز، والقرائن الشرعية في القرآن والسنة تحثّ على المسارعة، كقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾.
رابعاً: هل الأمر يقتضي التكرار؟يرى جمهور الأصوليين أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار بلفظه؛ فإذا فعل المأمور الفعل مرة واحدة فقد خرج من عهدة الأمر وامتثل.
استثناء من ذلك: إذا عُلّق الأمر على شرط أو سبب يتكرر، فإنه يتكرر بتكرره، مثل قوله "إذا دخل الوقت فصلِّ"، فكلما دخل الوقت تكرر وجوب الصلاة.
خامساً: هل النهي عن الشيء أمر بضده؟هذه من أدق المسائل الأصولية:
أن النهي عن الشيء هو في الحقيقة أمر بضد واحد من أضداده على الأقل؛ لأن الكف عن المنهي عنه لا يتحقق إلا بالاشتغال بضده.
مثال: إذا قيل لك "لا تتحرك"، فهو نهي عن الحركة، وهذا النهي يتضمن بالضرورة أمراً بضد الحركة وهو السكون. فلا يمكن ترك المنهي عنه، أي الحركة، إلا بفعل الضد، أي السكون.
المطلق والمقيد
ثالثاً: تعريف المطلقلغةً: هو المرسل الخالي من القيد، ومنه قول العرب "ناقة طالق"، أي مرسلة لا قيد عليها.
اصطلاحاً: هو اللفظ الدال على الماهية، أي الحقيقة، بلا قيد، مثل كلمة "رقبة" في قوله تعالى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾.
ومن شعر العرب: "وما كلُّ مطلوقِ اللسانِ بمُفلحٍ... إذا لم يكن بالعقلِ والعلمِ يُقيَّدُ".
رابعاً: تعريف المقيدلغةً: ما جُعل فيه قيد، كالسوار أو الحبل.
اصطلاحاً: ما دلّ على الماهية بزيادة وصف أو قيد، مثل كلمة "رقبة مؤمنة" في كفارة القتل.
خامساً: دلالتهما، وهي القاعدة الأصليةالمطلق: الأصل فيه أنه يجري على إطلاقه ما لم يقم دليل على تقييده.
المقيد: الأصل فيه أنه يُعمل به على قيده.
سادساً: حالات حمل المطلق على المقيدالحالة الأولى — اتحاد السبب والحكم:
السبب هنا بيان حكم المطاعم المحرّمة في الآيتين، والدم واحد فيهما، فالحكم هو حرمة الدم. الدليل: قوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ في سورة المائدة، وقوله تعالى ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ في سورة الأنعام.
فلفظ "الدم" جاء مطلقاً في الآية الأولى، وجاء مقيداً في الثانية بكونه "مسفوحاً"، أي مصبوباً سائلاً. فيُحمل المطلق على المقيد، فتكون حرمة الدم خاصة بالدم المسفوح دون الدم الباقي في اللحم والعروق.
الحالة الثانية — اختلاف السبب واتحاد الحكم اسماً مع اختلاف المراد:
هنا السبب الأول هو السرقة، والحكم وجوب قطع اليد، أي الحدّ. والسبب الثاني هو القيام إلى الصلاة، والحكم وجوب غسل اليد، أي الوضوء. الدليل: قوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.
فلفظ "الأيدي" جاء مطلقاً في آية السرقة، وجاء مقيداً في آية الوضوء بـ"إلى المرافق". وهنا لا يُحمل المطلق على المقيد، لاختلاف السبب والحكم بينهما، فتُقطع يد السارق من الكوع، بينما يُغسل في الوضوء إلى المرفقين.
الحالة الثالثة — اتحاد السبب واختلاف الحكم:
السبب هنا واحد، وهو القيام إلى الصلاة، لكن الحكم يختلف: الأول وجوب التيمم عند فقد الماء، والثاني وجوب الوضوء. الدليل: قوله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾، وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، وكلتاهما في سورة المائدة.
فلفظ "الأيدي" جاء مطلقاً في موضع التيمم، وجاء مقيداً في موضع الوضوء بـ"إلى المرافق". وهنا أيضاً لا يُحمل المطلق على المقيد، لاتحاد السبب مع اختلاف الحكم، فمسح اليدين في التيمم لا يمتد إلى المرفقين كما في الوضوء.
الحالة الرابعة — اتحاد الحكم واختلاف السبب:
الحكم هنا واحد، وهو الكفارة، لكن السبب يختلف: الأول الظهار، والثاني قتل الخطأ. الدليل: قوله تعالى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ في كفارة الظهار من سورة المجادلة، وقوله تعالى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ في كفارة القتل من سورة النساء.
فلفظ "رقبة" جاء مطلقاً في كفارة الظهار، وجاء مقيداً في كفارة القتل بـ"مؤمنة". وهنا يُحمل المطلق على المقيد، فتُشترط الرقبة المؤمنة أيضاً في كفارة الظهار، لاتحاد الحكم وهو الكفارة، رغم اختلاف السبب بينهما.